مرحبا بكم في منبر العلم والمعرفة

 الموقع الرسمي للدكتور بندر الحنيشي

مرحبا بكم في منبر العلم والمعرفة

 الموقع الرسمي للدكتور بندر الحنيشي

مرارة الوعي… وحكمة التغابي -المقال منشور في صحيفة سبق- ٣٠- اكتوبر- ٢٠٢٦

ليس كل ما يدركه الإنسان يسرّه، ولا كل ما يعرفه يمنحه راحة؛ فثمة وعيٌ يفتح العين، لكنه يثقل القلب، ومعرفةٌ تكشف من الحياة ما كان الجهل به أيسر.

يقول ابن المعتز:
«وحلاوة الدنيا لجاهلها
ومرارة الدنيا لمن عقلا»

فالجاهل يرى الدنيا بظاهرها، فيستطيب حلاوتها، أما العاقل فيراها بما فيها من تقلب وفناء وفراق، فيدرك أن لكل فرح نهاية، ولكل اجتماع موعدًا مع الرحيل.

ومن الرجاحة أن تتغابى أحيانًا؛ ففرق بين الغباء والتغابي! وقالت العرب: «المتغابي سيد قومه».

وقال أبو تمام:
«ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي»

فالتغابي ليس عجزًا عن الفهم، بل قدرة على تجاوز ما لا يستحق المواجهة؛ أن تفهم ثم تصمت، وتدرك ثم تتجاوز.

ويقول دوستويفسكي: «أقسم لكم بأغلظ الأيمان أيها السادة أن شدة الإدراك مرض، مرض حقيقي خطير».

وقال سيوران: «الوعي لعنة مزمنة، كارثة مهولة، إنه منفانا الحقيقي، فالجهل وطن، والوعي منفى».

وكأن المعنى ذاته يتكرر: كلما ازداد الإنسان وعيًا، ازدادت قدرته على رؤية ما يؤلم.

وقال المتنبي:
«ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم»

وليس المقصود تمجيد الجهل، وإنما حسن استعمال العقل؛ فليس كل ما نعرفه يستحق أن نقوله، ولا كل ما نفهمه يستحق أن نناقشه.

فالحكمة ليست أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تتغابى وأنت تعلم.

مرارة الوعي… وحكمة التغابي -المقال منشور في صحيفة سبق- ٣٠- اكتوبر- ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى